أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

202

العقد الفريد

قلت : يطيل اللّه عمرك ، ويمتع الأمة ببقائك . ودعا بالعشاء فتعشينا ، وجاءت المغرب فصلينا ، وجلس فقال : اسقني . فجاءوا بإناء مغطى ، وجيء بثلاث جوار ، فصففن بيني وبينه حتى شرب ، وذهبن فتحدثنا ، واستسقى « 1 » ، فصنعوا مثل ذلك ، فما زال كذلك : يستسقي ويتحدث ويصنعون مثل ذلك ، حتى طلع الفجر ؛ فأحصيت له سبعين قدحا . علي بن عياش قال : إني عند الوليد بن يزيد في خلافته إذ أتي بشراعة من الكوفة ؛ فو اللّه ما سأله عن نفسه ولا عن مسيره حتى قال له : يا شراعة . أنا واللّه ما بعثت إليك لأسألك عن كتاب اللّه وسنة رسوله . قال : واللّه لو سألتني عنهما لوجدتني فيهما حمارا . قال : إنما أرسلت إليك لأسألك عن القهوة ! قال : دهقانها « 2 » الخبير ، ولقمانها الحكيم ، وطبيبها العليم ! قال : فأخبرني عن الشراب . قال : يسأل أمير المؤمنين عما بدا له . قال : ما تقول في الماء ؟ قال : لا بد لي منه ، والحمار شريكي فيه ! قال : ما تقول في اللبن ؟ قال : ما رأيته قط إلا استحييت من أمي لطول ما أرضعتني به ! قال : ما تقول في السويق « 3 » ؟ قال : شراب الحزين والمستعجل والمريض . قال : فنبيذ التمر ؟ قال : سريع الملء ، سريع الانفشاش . قال : فنبيذ الزبيب ؟ قال : تلهّوا به عن الشراب . قال : ما تقول في الخمر ؟ قال : أوّه ! تلك صديقة روحي . قال : وأنت واللّه صديق روحي ، فأي المجالس أحب ؟ قال : ما شرب الكأس قط على وجه أحسن من السماء . قال أبو الحسن : كان أبو كامل مضحكا غزلا مغنيا ، فغنى الوليد يوما فطرب فأعطاه قلنسوة بردا « 4 » كانت عليه ؛ فكان أبو كامل لا يلبسها إلا في عيد ، ويقول : كسانيها أمير المؤمنين ، فأنا أصونها ؛ وقد أمرت أهلي إذا متّ أن توضع في أكفاني ، وله يقول الوليد :

--> ( 1 ) استسقى : أمر أن يسقى . ( 2 ) الدهقان : القوي على التصرف مع حدة . ( 3 ) السويق : طعام يتخذ من مدقوق الحنطة والشعير . ( 4 ) أي ليس فيها زئبر .